الخطيب الشربيني

311

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

لا جناح عليكم ولا حرج رخصة من الله تعالى لكم وَابْتَغُوا أي : اطلبوا الرزق مِنْ فَضْلِ اللَّهِ أي : الذي بيده كل شيء ولا شيء لغيره ، وهذا أمر إباحة كقوله تعالى : وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [ المائدة : 2 ] قال ابن عباس : إن شئت فأخرج ، وإن شئت فاقعد ، وإن شئت فصل إلى العصر . وقيل : فانتشروا في الأرض ليس لطلب دنيا ، ولكن لعيادة مريض وحضور جنازة ، وزيارة أخ في الله تعالى . وقال الحسن ، وسعيد بن جبير ومكحول وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ هو طلب العلم وَاذْكُرُوا اللَّهَ أي : الذي له الأمر كله كَثِيراً أي : بحيث لا تغفلون عنه بقلوبكم أصلا ولا بألسنتكم حتى عند الدخول إلى الخلاء وعند أول الجماع ، واستثني من الثاني وقت التلبس بالقذر كوقت قضاء الحاجة والجماع لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي : تفوزون بالجنة والنظر إلى وجهه الكريم وعن جابر بن عبد الله « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يخطب قائما يوم الجمعة فجاءت عير من الشام فانفتل الناس إليها ، حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا » « 1 » وفي رواية « أنا فيهم » فأنزل الله تعالى : وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أي : حمولا هي موضع للتجارة أَوْ لَهْواً أي : ما يلهي عن كل نافع انْفَضُّوا أي : نفروا متفرقين من العجلة إِلَيْها أي : التجارة لأنها مطلوبهم دون اللهو ، وأيضا العطف بأو فإفراد الضمير أولى . وقال الزمخشري : تقديره : إذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهوا انفضوا إليه ، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه . وذكر الكلبي وغيره : أن الذي قدم بها دحية بن خليفة الكلبي من الشام عن مجاعة وغلاء سعر ، وكان معه جميع ما تحتاج إليه الناس من بر ودقيق وغيره ، فنزل عند أحجار الزيت وضرب الطبل ليؤذن الناس بقدومه ، فخرج الناس إلا اثني عشر رجلا ، وقيل : أحد عشر رجلا ، وقال ابن عباس في رواية الكلبي : لم يبق في المسجد إلا ثمانية رهط . وقال الحسن وأبو مالك : أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر فقدم دحية ابن خليفة بتجارة زيت من الشام ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم يخطب يوم الجمعة ، فلما رأوه قاموا إليه بالبقيع خشوا أن يسبقوا إليه ، فلما لم يبق مع النبي صلى اللّه عليه وسلم إلا رهط منهم أبو بكر وعمر فنزلت هذه الآية ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « والذي نفس محمد بيده لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد لسال بكم الوادي نارا » « 2 » . وقال مقاتل بن حيان ، ومقاتل بن سليمان : بينما رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ قدم دحية بن خليفة الكلبي من الشام بالتجارة وكان إذا قدم المدينة لم يبق بالمدينة عاتق إلا أتته ، وكان يقدم بكل ما يحتاج إليه من دقيق وغيره ، فينزل عند أحجار الزيت ، وكانت في سوق المدينة ثم يضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه فخرج إليه الناس ليتبايعوا منه ، فقدم ذات جمعة وكان ذلك قبل أن يسلم ، ورسول الله صلى اللّه عليه وسلم قائم على المنبر يخطب فخرج إليه الناس ، ولم يبق في المسجد إلا اثنا عشر رجلا وامرأة ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم « لولا هؤلاء لرميت عليهم الحجارة من السماء » « 3 » وأنزل الله تعالى هذه الآية والمراد باللهو الطبل . وقيل : كانت العير إذا قدمت المدينة استقبلوا بالطبل والتصفيق . وقال علقمة : سئل عبد الله

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في البيوع حديث 2058 ، ومسلم في الجمعة حديث 863 ، والترمذي في تفسير القرآن حديث 3311 . ( 2 ) أخرجه بنحوه ابن كثير في تفسيره 4 / 368 ، وابن حبان في صحيحه 6877 . ( 3 ) أخرجه السيوطي في الدر المنثور 6 / 221 .